ابن قيم الجوزية

147

البدائع في علوم القرآن

وسأل عمر بن الخطاب الصحابة يوما عن هذه الآية ، فقالوا : اللّه أعلم ، فغضب عمر ، وقال : قولوا : نعلم أو لا نعلم ، فقال ابن عباس : في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين ، قال : قل يا بن أخي ، ولا تحقر نفسك ، قال : ضرب مثلا لعمل ، قال : « لأي عمل ؟ قال : لرجل غني يعمل بالحسنات ، ثم بعث اللّه له الشيطان ، فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله كلها « 1 » . قال الحسن : هذا مثل قل واللّه من يعقله من الناس ، شيخ كبير ضعف جسمه ، وكثر صبيانه أفقر ما كان إلى جنته ، وإن أحدكم واللّه أفقر ما يكون إلى عمله إذا انقطعت عنه الدنيا . فإن عرض لهذا الأعمال من الصدقات ما يبطلها من المن والأذى والرياء ، فالرياء يمنع انعقادها سببا للثواب ، والمن والأذى يبطل الثواب الذي كانت سببا له ، فمثل صاحبها وبطلان عمله كمثل صفوان ، وهو الحجر الأملس عليه تراب فأصابه وابل ، هو المطر الشديد ، فتركه صلدا لا شيء عليه . وتأمل أجزاء هذا المثل البليغ وانطباقها على أجزاء الممثل به تعرف عظمة القرآن وجلالته ، فإن الحجر في مقابلة قلب هذا المرائي والمان والمؤذي ، فقلبه في قسوته عن الإيمان والإخلاص والإحسان بمنزلة الحجر ، والعمل الذي عمله لغير اللّه بمنزلة التراب الذي على ذلك الحجر ، فقسوة ما تحته وصلابته تمنعه من النبات والثبات عند نزول الوابل فليس له مادة متصلة بالذي يقبل الماء ، وينبت الكلأ ، وكذلك قلب المرائي ليس له ثبات عند وابل الأمر والنهي والقضاء والقدر ، فإذا نزل عليه وابل الوحي انكشف عنه ذلك التراب اليسير الذي كان عليه ، فبرز من تحته حجر صلد لا نبات فيه ، وهذا مثل ضربه اللّه - سبحانه - لعمل المرائي ونفقته ، لا يقدر يوم القيامة على ثواب شيء منه أحوج ما كان إليه ، وباللّه التوفيق . مثل من أنفق ماله في غير طاعة اللّه عزّ وجلّ ومنها قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 116 ) مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ

--> ( 1 ) البخاري ( 4918 ) في التفسير ، وانظر الدر المنثور ( 2 / 47 ) .